محمد كرد علي
240
خطط الشام
وكانت لهاشم بن عبد مناف رحلتان رحلة في الشتاء نحو العباهلة من ملوك اليمن ونحو اليكسوم من ملوك الحبشة ، ورحلة في الصيف نحو الشام وبلاد الروم . قال الثعالبي : وكان يأخذ الإيلاف من رؤساء القبائل وسادات العشائر لخصلتين ، إحداهما أن ذؤبان العرب ، وصعاليك الأعراب ، وأصحاب الغارات ، وطلاب الطوائل ، كانوا لا يؤمنون على أهل الحرم ولا غيرهم ، والخصلة الأخرى أن أناسا من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ، ولا للشهر الحرام قدرا ، كبني طيء وخثعم وقضاعة . وسائر العرب يحجون البيت ويدينون بالحرمة له . ومعنى الإيلاف إنما هو شيء كان يجعله هاشم لرؤساء القبائل من الربح ، ويحمل لهم متاعا مع متاعه ، ويسوق إليهم إبلا مع إبله ، ليكفيهم مؤونة الأسفار ، ويكفي قريشا مؤونة الأعداء ، فكان ذلك صلاحا للفريقين ، إذ كان المقيم رابحا والمسافر محفوظا . وفي غزة استغنى عمر بن الخطاب في الجاهلية لأنها كانت متجرا لأهل الحجاز . وخصبت قريش وأتاها خير الشام واليمن والحبشة ، وحسنت حالها وطاب عيشها ، ولما مات هاشم قام بذلك عبد المطلب ، فلما مات عبد المطلب قام بذلك عبد شمس ، فلما مات عبد شمس قام به نوفل وكان أصغرهم . وذكر اللغويون من جملة التخريجات في اسم قريش التي كانت سادة العرب جاهلية وإسلاما ، أنها سميت بذلك لتجرها وتكسبها وضربها في البلاد تبتغي الرزق ، وقيل : لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب زرع وضرع من قولهم فلان يتقرش المال أي يجمعه . وكان ساداتهم على حبهم للتجارة إذا تولوا أمرا من أمور الأمة تخلوا عنها . ففي التذكرة الحمدونية أنه كان لعمر بن عبد العزيز سفينة يحمل فيها الطعام من مصر إلى المدينة فيبيعه وهو وإليها ، فحدثه محمد بن كعب القرظي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « أيما عامل اتجر في رعيته هلكت رعيته » فأمر بما في السفينة فتصدق به ، وفكها وتصدق بخشبها على المساكين . وكان الأنباط يحملون من الشام إلى الحجاز الزيت والدّرمك « دقيق الحوّارى » ويعودون إلى هذا القطر بحاصلات الحجاز . وفي السنة الثانية للهجرة أقبل أبو سفيان بن حرب والد يزيد ومعاوية من الشام في قريب من